05/03/2025
الإيمان هو تلك الجذور، التي تمنحك القوة عندما يهتز كل شيء من حولك. لكنه ليس إيمانًا أعمى، بل إيمان واعٍ، يدعوك للتفكر، للتساؤل، لا للاستسلام. فالذين يؤمنون دون تفكر، يسقطون مع أول ريح تهب عليهم. جلست على الأرض، راقبت سربًا من الطيور يحلق في السماء، يتحرك بانسجام تام، كأنها كائن واحد، لا تضيع وجهتها، لا تخشى الضياع، لأنها تعلم أن الكون يسير وفق نظام دقيق، وأن الله لم يخلق شيئًا عبثًا. تذكرت حديث النبي ﷺ:
"لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا."
الطير لا يجلس في عشه منتظرًا أن يسقط الطعام من السماء، بل يخرج كل صباح، يبحث، يسعى، ويؤمن أن رزقه مكتوب. فلماذا نحن البشر نخاف المستقبل بهذا الشكل؟ لماذا نحمل همّ الغد ونحن نعلم أن الله لن يتركنا؟ في أثناء جلوسي هناك، لم أستطع تجاهل صوت الريح، ذلك الصوت الذي يهمس في أذني بحقائق قديمة، حقائق كنا نعرفها يومًا، ثم نسيناها في زحام الأيام. "كل شيء فانٍ إلا وجهه."
نحن نجري خلف الدنيا، كأنها ستدوم، نتصارع على ما لا قيمة له، نحقد، نحسد، نغضب، ثم ننام ليلًا وقلوبنا مثقلة بما لا يستحق. لكن، هل فكرنا يومًا أن هذه اللحظة، هذه الثانية التي نعيشها، قد تكون آخر ما نحصل عليه؟ أن الغد ليس وعدًا، بل احتمالًا؟ ما الذي سيبقى منا لو رحلنا الآن؟ ليس المال، ليس الشهرة، ليس حتى الألقاب التي جمعناها، بل فقط أثرنا في قلوب الآخرين، كلماتنا، مواقفنا، لحظات الحب والرحمة التي تركناها خلفنا.
سمعت شيخًا ذات مرة يقول:
"لو رأيت حجم النعم التي تعيش فيها، لرأيت أن الابتلاء الذي تشكو منه ليس سوى اختبار لصبرك."
كم مرة اشتكينا من الحياة؟ كم مرة شعرنا أننا مظلومون، أننا لا نملك ما نريد؟ لكن، هل فكرنا يومًا أننا نعيش في نعم لا نراها؟ نحن نأكل كل يوم دون أن نخشى الموت من الجوع، ننام في فراشنا دون أن نخشى أن يسقط علينا سقف، نشرب الماء متى ما شئنا، بينما هناك من يسير لساعات ليحصل على قطرة ماء.
"وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها."
نعم، قد لا نحصل على كل ما نريد، لكن لدينا أكثر مما نحتاج.