16/05/2026
نسبة تغطية السيولة (LCR) ركيزة الاستقرار المصرفي وفق إطار بازل 3
المحاسب القانوني الدكتور محمد القزاز
_______________________________________
Stability—even of an expansion—is destabilizing...
الاستقرار ــ حتى وإن كان استقراراً في التوسع والنمو ــ هو أمر يزعزع الاستقرار...
عالم الاقتصاد الامريكي هايمان مينسكى
صاغ فرضية عدم الاستقرار المالي ، حيث أثبت أن الفترات الطويلة من الاستقرار والازدهار الاقتصادي تشجع المستثمرين والبنوك على الإفراط في التفاؤل، والمخاطرة، وتراكم الديون، مما يؤدي في النهاية إلى انهيار النظام المالي المفاجئ (وهو ما يُعرف اقتصادياً بـ "لحظة مينسكي").
في هذا الصدد تُعدّ نسبة تغطية السيولة (Liquidity Coverage Ratio – LCR) من أبرز المعايير الاحترازية الكمية التي أرساها إطار بازل 3 في أعقاب الأزمة المالية العالمية 2008.
وتستهدف هذه النسبة قياس قدرة المؤسسات المصرفية على الوفاء بالتزاماتها قصيرة الأجل خلال سيناريو ضغط مالي يمتد ثلاثين يومًا، دون الاضطرار إلى تصفية أصولها بأسعار ضاغطة. تتناول هذه الدراسة الإطار المفاهيمي للنسبة وصيغتها الرياضية ومكوناتها الجوهرية والمستويات التفسيرية المعتمدة رقابيًا، مع إبراز دورها في بناء منظومة متكاملة للصمود المؤسسي في مواجهة الاضطرابات السيولية.
■ السياق التاريخي والدوافع التنظيمية
كشفت الأزمة المالية العالمية عام 2008 عن هشاشة بنيوية عميقة في إدارة السيولة لدى الكيانات المصرفية الكبرى؛ إذ تبيّن أن كثيرًا من البنوك، رغم امتلاكها نسب رسملة مقبولة، كانت عاجزة عن مواجهة الطلب المتصاعد على السحب خلال فترات التوتر المالي. وقد أفضى ذلك إلى انهيارات وانكشافات متسلسلة وتدخل حكومي واسع النطاق، مما استدعى إعادة هيكلة جذرية للإطار التنظيمي الدولي.
استجابةً لهذا الواقع، أصدرت لجنة بازل للرقابة المصرفية عام 2010 إطار بازل 3، الذي أدرج لأول مرة معيارَين كميين للسيولة: 1▪︎ نسبة تغطية السيولة (LCR) بوصفها أداةً للاستقرار قصير المدى،
2▪︎ نسبة صافي التمويل المستقر (NSFR) لقياس الاستدامة هيكليًا على المدى المتوسط والبعيد.
وقد بات تطبيق LCR إلزاميًا دوليًا اعتبارًا من عام 2015، مع فترة انتقالية تدريجية حتى استقرت متطلبات الحد الأدنى عند 100% في 2019.
■ الصياغة الرياضية للنسبة
تُعرَّف نسبة تغطية السيولة رياضيًا على النحو الآتي، وذلك استنادًا إلى الوثيقة الرسمية للجنة بازل (BCBS, 2013):
LCR =
High Quality Liquid Assets (HQLA)
÷
Net Cash Outflows over 30 days
≥ 100%
تشترط اللجنة أن تبلغ هذه النسبة 100% على الأقل في جميع الأوقات، مما يعني أن مخزون الأصول السائلة عالية الجودة يجب أن يُغطّي صافي التدفقات النقدية الخارجة المتوقعة خلال سيناريو ضغط قياسي مدته 30 يومًا. ويُسمح للبنك باستخدام هذا المخزون أثناء الأزمة الفعلية، غير أن عليه إبلاغ الجهات الرقابية فورًا واستعادة النسبة خلال مهلة محددة.
■ المكونات الجوهرية للنسبة
تنبني نسبة LCR على ركيزتين أساسيتين يتعين فهمهما بدقة:
◈ الأصول السائلة عالية الجودة (HQLA)
أصول يمكن تحويلها إلى نقد فوري دون خسارة مادية في السوق. تُصنَّف على ثلاثة مستويات:
● المستوى الأول: النقد والاحتياطيات المركزية والسندات السيادية عالية التصنيف (ترجيح 100%).
● المستوى الثاني-أ: سندات حكومية أدنى تصنيفًا وأوراق مالية مضمونة (ترجيح 85%).
● المستوى الثاني-ب: أسهم مُدرَجة وسندات مؤسسية منتقاة (ترجيح 50-75%).
■ صافي التدفقات النقدية الخارجة
التدفقات المتوقعة خلال 30 يومًا في سيناريو ضغط موحّد، مع خصم التدفقات الداخلة. تشمل:
● سحوبات الودائع بالتجزئة (معدلات سحب 5-10%).
● سحوبات ودائع الشركات غير المضمونة (25-40%).
● خطوط الائتمان والسيولة الملتزمة (10-100%).
● استحقاقات الأوراق المالية والالتزامات التمويلية.
ملاحظة هامة : تُقيَّد التدفقات الداخلة (Inflows) بحد أقصى يبلغ 75% من إجمالي التدفقات الخارجة، وذلك لضمان أن يحتفظ البنك دائمًا بمخزون حقيقي من الأصول السائلة بدلًا من الاعتماد الكلي على التدفقات المتوقعة.
■ المستويات التفسيرية والدلالة الرقابية
يمكن تفسير نسبة LCR على النحو التالي وفقًا للمرجعيات الرقابية والتحليلية :
1. الموقف مريح : عندما LCR ≥ 120% ،احتياطي سيولة عالٍ يتجاوز الحد الأدنى ، بالتالي الإجراء الرقابي المعتاد هو الرصد الدوري .
2. الموقف مستوفٍ : عندما 100% ≤ LCR < 120% ، استيفاء المتطلب الأدنى بهامش محدود ، ويحتاج مراقبة مكثفة ومتطلبات إفصاح .
3. الموقف تحذيري : عندما 80% ≤ LCR < 100% ، يظهر عجز طفيف مع استنزاف المخزون الاحتياطي ، ويحتاج خطة تصحيحية وتقارير يومية .
4. الموقف حرج : عندما LCR < 80% ، يظهر نقص حاد في السيولة ، ويحتاج تدخل رقابي عاجل وقيود تشغيلية مشددة .
■ القيود المنهجية والانتقادات العلمية
رغم الأهمية البالغة لنسبة LCR، يُشير عدد من الباحثين إلى جملة من القيود المنهجية؛ فسيناريو الضغط القياسي المعتمد قد لا يعكس طبيعة الأزمات الفعلية في الاقتصادات الناشئة أو في حالات الضغط الجهازي الحاد الذي يطال القطاع المصرفي بأسره في آنٍ واحد. علاوةً على ذلك، قد يدفع الالتزام الصارم بالنسبة البنوكَ نحو تفضيل الأصول الحكومية على حساب توجيه التمويل نحو القطاع الخاص وتمويل التنمية.
وتبرز هنا مفارقة رقابية بالغة الأهمية؛ إذ إن سعي البنوك بصورة جماعية إلى تعزيز نسبة LCR عبر التركز في الأصول الحكومية عالية السيولة قد يمنح كل بنك على حدة مظهرًا رقابيًا مستقرًا، لكنه في المقابل قد يزيد هشاشة النظام المالي ككل. فحين تتشابه محافظ السيولة بين المؤسسات المصرفية بصورة مفرطة، يصبح القطاع بأكمله أكثر عرضة لصدمة جماعية إذا تعرضت تلك الأصول نفسها لضغوط سوقية أو لتراجع مفاجئ في الثقة. وبذلك قد يتحول الامتثال الفردي للمتطلبات الرقابية إلى مصدر لتركيز المخاطر النظامية بدلًا من توزيعها.
كما أن النسبة بطبيعتها أداة إجمالية لا تكشف عن التوزيع الزمني الدقيق للتدفقات داخل الثلاثين يومًا، مما يجعل الرقابة المُكمِّلة عبر نسبة الرصد الزمني ضرورة لا غنى عنها.
> غير أن الإشكالية الأعمق في نسبة تغطية السيولة لا تتعلق فقط بمدى دقة سيناريوهات الضغط أو جودة الأصول السائلة المحتفظ بها، بل بطبيعة السيولة ذاتها بوصفها مفهومًا قائمًا على الثقة الجماعية أكثر من كونه مجرد مخزون نقدي جامد. فالبنك قد يبدو مستوفيًا لجميع المتطلبات الرقابية وفق نسبة LCR، ومع ذلك يواجه انهيارًا متسارعًا إذا فقد المودعون والأسواق الثقة بقدرته المستقبلية على الوفاء بالتزاماته.
فالأزمات المصرفية الحديثة لا تبدأ دائمًا من نفاد النقد فعليًا، بل كثيرًا ما تبدأ من تآكل الثقة، ثم يتحول الخوف الجماعي إلى طلب فوري وكثيف على السيولة يفوق قدرة النماذج الاحترازية التقليدية على الاستيعاب. ومن هنا، فإن السيولة المصرفية ليست أصلًا ماليًا خالصًا، بل هي في جوهرها «ثقة قابلة للتحويل إلى نقد». ولهذا قد تبدو البنوك مستقرة رقابيًا بصورة متزامنة، لكنها تصبح هشّة جماعيًا عندما يتعرض النظام المالي لصدمة ثقة شاملة، وهي المفارقة التي كشفتها الأزمات المصرفية الحديثة حتى في ظل التطور الكبير الذي جاءت به معايير بازل 3.