05/09/2026
من الاعتماد المائي إلى الاستقلالية المائية: العراق أمام كارثة استراتيجية صامتة.؟
إن أخطر ما يواجه العراق مائياً في السنوات المقبلة قد لا يكون مجرد انخفاض مناسيب دجلة والفرات، أو تراجع الخزين في السدود، أو تكرار سنوات الجفاف؛ بل يتمثل في استمرار إدارة المياه بعقلية الاستجابة للأزمة، بينما تتحول المياه تدريجياً إلى قضية سيادة وأمن واستقرار وتنمية.
فالعراق يمتلك تاريخاً مائياً وحضارياً عريقاً، لكنه يدخل اليوم مرحلة أصبح فيها أمنه المائي مرتبطاً بدرجة كبيرة بعوامل تقع خارج قدرته المباشرة على التحكم، وفي مقدمتها تغير المناخ، وتذبذب الأمطار، والتحكم في الموارد المائية العابرة للحدود، وارتفاع الطلب الداخلي، وتدهور نوعية المياه، وازدياد التبخر، وتراجع كفاءة الاستخدام.
وهنا تكمن المشكلة الاستراتيجية الحقيقية: ليس في أن العراق لا يمتلك المياه فقط، وإنما في أن منظومته المائية ما زالت بحاجة إلى الانتقال من إدارة الندرة إلى إدارة الاستقلالية المائية. ولان الاستقلالية المائية ليست الانعزال كون الاستقلالية لا تعني أن يستطيع العراق إنتاج كل احتياجاته المائية بمعزل عن دول المنبع أو عن المتغيرات المناخية. فهذا غير ممكن. لكنها تعني أن يمتلك العراق قدرة استراتيجية على المناورة وتقليل المخاطر من خلال تعظيم الاستفادة من كل قطرة ماء متاحة. زيادة الخزن الاستراتيجي وتحديث منظومة السدود والخزانات. إعادة تأهيل البحيرات والخزانات الطبيعية كجزء من منظومة الأمن المائي. توسيع استخدام المياه المعالجة وإعادة الاستخدام. تقليل الفواقد في شبكات الري ومياه الشرب. تطوير حصاد مياه الأمطار والسيول. حماية المياه الجوفية وإدارتها كاحتياطي استراتيجي لا كمورد مفتوح للاستنزاف. بناء منظومة متقدمة للتنبؤ بالجفاف والفيضانات. استخدام الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي والنمذجة الهيدرولوجية في إدارة المياه. ربط إدارة المياه بالطاقة والغذاء والأمن الوطني. كل ذلك يعني شيئاً واحداً: تقليل قابلية العراق للتأثر بأي صدمة مائية مفاجئة.
المشكلة ليست في كمية المياه فقط... بل في القدرة على التحكم بالزمن وهنا تظهر أهمية الانتقال من مفهوم Water Resources Management التقليدي إلى مفهوم أكثر تقدماً يقوم على إدارة المياه عبر الزمن.
الثرثار... من خزان مائي إلى احتياطي استراتيجي للمستقبل.؟
المياه التي تصل إلى العراق اليوم ليست بالضرورة المياه التي سيحتاجها العراق غداً. وقد تكون الوفرة المائية المؤقتة في موسم معين عديمة القيمة الاستراتيجية إذا لم يمتلك العراق القدرة على خزنها وإدارتها وتوجيهها إلى الوقت والمكان المناسبين.
ومن هنا تبرز أهمية تأهيل "بحيرة الثرثار" كإحدى أهم الركائز التي يمكن أن يقوم عليها الأمن المائي العراقي في الحاضر والمستقبل. فإعادة تأهيلها وتطوير منظومتها التشغيلية لا ينبغي أن يُنظر إليهما كمشروع تقليدي لإدارة الخزن، بل كجزء من منظومة الخزين المائي الاستراتيجي للعراق. إن الإمكانات الخزنية الهائلة لمنخفض الثرثار، والتي يمكن أن تتجاوز 80 مليار متر مكعب من حيث السعة الكلية للمنخفض، تجعل منه أصلاً مائياً استراتيجياً استثنائياً، إذا ما أُعيد تأهيله وإدارته وفق رؤية حديثة توازن بين الخزن، والتغذية، والتبخر، ونوعية المياه، وحماية المنشآت، والاستخدامات المستقبلية. لذلك فإن السد والخزان والبحيرة والمياه الجوفية ليست مجرد منشآت أو مصادر منفصلة، بل أدوات لإدارة عدم اليقين المائي عبر الزمن. ومن هنا يمكن أن يصبح مفهوم Water Time Engineering إطاراً مهماً للمستقبل العراقي: إدارة قيمة المياه ليس فقط بحسب كميتها، وإنما بحسب توقيتها ومكانها واحتمالية الحاجة إليها.
العراق بحاجة إلى تنويع "محفظته المائية"
كما أن الاقتصاد القوي لا يعتمد على مصدر واحد للدخل، فإن الدولة المائية المرنة لا ينبغي أن تعتمد على مصدر واحد للمياه أو على أداة واحدة لإدارة الأزمة. يجب أن تتكون محفظة العراق المائية المستقبلية من: المياه السطحية + المياه الجوفية + حصاد الأمطار والسيول + إعادة استخدام المياه + تحلية المياه في المناطق المناسبة + الخزن الاستراتيجي + الإدارة الذكية للطلب. وهذا لا يعني أن جميع هذه المصادر متساوية في الكلفة أو الأهمية، وإنما يعني بناء منظومة متعددة الخيارات تستطيع الدولة من خلالها امتصاص الصدمات.
الأخطر هو أن نستمر في إدارة المياه بالحدود الإدارية، لان الماء لا يعرف حدود المحافظات. ولهذا فإن إدارة دجلة والفرات والأنهار والبحيرات والمياه الجوفية وفق تقسيمات إدارية ضيقة لن تكون كافية لمواجهة المرحلة المقبلة.
العراق بحاجة إلى الانتقال تدريجياً نحو إدارة المياه على أساس الأحواض المائية، بحيث تصبح وحدة التخطيط والإدارة هي الحوض المائي وليس الحدود الإدارية للمحافظة.
وهذا يتطلب مؤسسة وطنية قوية للمياه، قادرة على جمع البيانات واتخاذ القرار الاستراتيجي والتنسيق بين الزراعة والبيئة والطاقة والبلديات والمياه الجوفية والسدود، بدلاً من استمرار تعدد مراكز القرار وتشتت المسؤوليات.
من ردّ الفعل إلى الاستباق
التحدي الأكبر أمام العراق ليس أن تحدث أزمة مائية؛ فالأزمات ستحدث. التحدي هو هل يمتلك العراق منظومة تستطيع اكتشاف الأزمة قبل حدوثها والاستعداد لها؟
المستقبل يحتاج إلى منظومة وطنية للإنذار المبكر تربط: الأمطار → الثلوج → درجات الحرارة → التبخر → التدفقات النهرية → الخزين → المياه الجوفية → الطلب الزراعي → الاحتياجات السكانية → توقعات المناخ. وعندها يصبح القرار المائي مبنياً على التنبؤ وليس المفاجأة.
المياه قضية سيادة وليست ملفاً خدمياً
إذا استمر النظر إلى المياه باعتبارها ملفاً تابعاً للزراعة أو الخدمات، فإن العراق سيجد نفسه أمام أزمات متكررة يصعب احتواؤها. أما إذا جرى التعامل معها باعتبارها قضية أمن وطني وتنمية واقتصاد وبيئة واستقرار اجتماعي، فإن الأولويات ستتغير جذرياً.
فالقرار المائي اليوم قد يحدد قدرة العراق على إنتاج الغذاء غداً، واستقرار سكانه، وحماية مدنه، واستمرار الأهوار، والحفاظ على أراضيه الزراعية، وحتى قدرة بعض مناطقه على البقاء مأهولة. المستقبل لا يحتاج إلى المزيد من الخطط فقط العراق لا يحتاج إلى وثيقة استراتيجية جديدة تضاف إلى رفوف المؤسسات بقدر ما يحتاج إلى تحويل الاستراتيجية المائية إلى منظومة تنفيذية قابلة للقياس.
وهذا يعني تحديد: كم نحتاج من المياه؟ كم سيكون المتاح؟ أين ستكون الفجوة؟ متى ستظهر؟ كيف سنسدها؟ وما تكلفة كل خيار؟ ومن المسؤول عن التنفيذ؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تصنع الأمن المائي الحقيقي.
قد تكون أخطر كارثة مائية على العراق ليست جفاف نهر في سنة معينة، بل الاستمرار في إدارة المياه بعقلية الأمس في عالم مائي يتغير بسرعة.
العراق لا يستطيع التحكم بكل ما يأتيه من مياه، لكنه يستطيع أن يتحكم بدرجة كبيرة في كيفية إدارة ما يأتيه، ومقدار ما يهدره، وكيف يخزنه، ومتى يستخدمه، وكيف ينوع مصادره، وكيف يستعد لما هو قادم.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية للمستقبل ليست معركة البحث عن المزيد من المياه فحسب، بل معركة بناء استقلالية مائية وطنية قادرة على الصمود أمام عدم اليقين.
فالأمن المائي للعراق لن يُقاس فقط بكمية المياه التي تدخل أراضيه، وإنما بقدرته على تحويل المياه المتاحة إلى أمن واستقرار وتنمية عبر الزمن.