29/07/2019
العضم في "الكرشة"
فبراير 2012.. كانت الخطة اننا نقعد في روما كام ساعه كده فالسريع.. حوالي 8 ساعات فقط ترانزيت في طريق العودة من "جنوى" (Genova) .. نلف فيهم البلد بسرعه جداً.. نشتري شوية هدايا و نرجع المطار عشان نلحق الطياره من روما الي القاهرة.
حاولنا ندخل "الكولوسيوم"... المسرح الروماني.. لقينا الطابور طويل جدا مستحيل نعرف ندخل.. بس اتمشينا و اتفرجنا علي المباني من بره فقط.. الأجواء كانت كرنفالية جداً.. بالرغم انه كان يوم سبت عادي.. معرفش بصراحة هل البلد دي علي طول كده.. ولا ده كان يوم مميز عندهم..
اللي لفت نظري بشدة.. ان بالرغم من الزحام الشديد في كل الشوراع و قدام المزارات و طوابير كتير و هيصه.. الا ان معظم الناس كانوا مبتسمين و مستمتعين جدا... حتي مع الانتظار الطويل و الوقفه في الشارع.. بس كله بيضحك و يهزر ويتصور.. حالة بهجة غير طبيعية.. محدش بيعلي صوته.. مفيش تشاحن أو نرفزه بسبب الزحمة.. علي عكس المتوقع في الظروف دي..
بتكلم مع صديقي اللي كان مسافر معايا و اللي اعتاد السفر الي أوروبا.. بقوله هم ليه مش بيتخانقوا زينا لما بنبقي في زحمة زي كده.. قالي " لا عادي متستغربش.. الناس هنا بتعرف تتبسط".. بيعرفوا يشوفوا ايه الحلو و يستمتعوا بيه.. عرفوا يتجاهلوا الزحمة.. ويتبسطوا بالباقي..
الجملة صدمتني في الحقيقة... ايه ده.. هو في حد مش بيعرف يتبسط ؟
أكتوبر 2014 سافرت في شغلانة معقربة.. مع مدير كبير عندنا في الشركة عشان نسلم مشروع مكلكع في شرم الشيخ.. كانت أول مره أعرف ان البحر الأحمر بالجمال و السحر ده..
وقتها كنت متخيل اننا كالعاده هنصحي الصبح بدري نفطر بسرعة و نتحرك للشغل مباشرة.. لكن لقيت المهندس الكبير ده بيقولي "لو حابب يا أحمد تعمل سنوركلينج و تتفرج علي الأسماك و الشعب المرجانية ممكن نصحي بدري شويه و ننزل البحر قبل الفطار.. بس خد بالك هي نص ساعة فقط عشان نلحق مواعيد العملاء و المقاولين اللي معانا"... 😲..
كنت عايز اقوله.. هو حضرتك حقيقي.. و لا بتهزر؟.. اللي انا فاهمه ان الناس لما بتوصل لمنصب في الادارة العليا بيبقوا دمهم واقف.. بس الراجل ده كان حاجة تانية خالص" بالرغم انه مصري " .. كان عارف يفصل بين الشغل.. مشاكله و خناقاته .. و بين اننا ممكن ناخد نفسنا و نستمتع بفرصة ممكن متجيش تاني.. كأنه كان عايز يقولي.. "مسموحلك تتبسط" حتي لو احنا جايين مشروع معقد ..
لما كنا بنشطب الشقه بتاعتنا كانت دايما زوجتي تتهمني اني مش بعرف أشوف غير الوحش.. بتقولي "أنت عينك بتلقط العيوب فقط.. عشان كده مش بتعرف تتبسط بأي حاجة بشكل كامل"..
فشلت كل محاولاتي لاقناعها ان ده بسبب طبيعة شغلنا كمهندسين.. يا اما بنستلم من مقاول.. او بنستلم شغل من الفريق اللي معانا.. او بنستلم ملحوظات من العميل.. في كل الأحوال لازم نراجع اللي بنستلمه بحذر شديد ... عشان كده عنينا مش بتجيب غير العيوب... لاننا بندور عليها.. و لما نلاقيها... هنا فقط نشعر اننا نجحنا.. لكن مع الوقت اكتشفت انها مشكلة كبيرة.. أكبر من هوس المهندسين..
دي حالة عامة عند معظم الناس.. حالة توارثناها .. دايما عنينا علي اللي ناقص.. حتي لو ربنا كرمك بأي حاجة كويسة.. تلاقيك خايف.. احسن تكون من قليلين البخت اللي لقوا العضم في "الكرشة" .. متوجس حتي من الخير اللي بيوصل لغاية بابك.. ترد ب"لسانك" تقول للناس اللي بيقولولك مبروك.. "شكراً.. الله يبارك فيك"... و عقلك عمال يردد "الحداية مبتحدفش كتاكيت".. "أكيد في خازوق" .. دماغنا اتبرمجت كده..
لكن انك تعرف "تشوف الحلو.. و تتبسط بيه".. اعتقد انها مهارة فريدة جدا مش موجودة عند معظم الناس... بس اللي يعرف يكتسبها و ينميها.. يبقي يا سعده يا هناه.. لأن الحاجة الحلوه بتبقي غالبا موجودة.. ربك سبحانه وتعالى لطيف حكيم.. دايما بيبعتلك حاجة حلوه مهما كانت الدنيا مكركبه.. بس احنا مش بنعرف نشوفها..
ربنا يكرمنا و يهدينا الي سواء السبيل..
أحمد يسري..