31/05/2026
هو في حد ممكن يكره الموعظه ؟
من أخطر البلاءات على الإنسان… إنه يوصل لمرحلة يكره فيها “الموعظة” نفسها.
مش بس لا يعمل بها… لا. ده ينزعج لما يتذكّر، ويتضايق لما حد ينصحه، ويقفل الكلام بسرعة أول ما يحس إن الحديث قرب من منطقة هواه.
تكلّمه عن الحلال والحرام… يقولك: “بلاش تشدد.” تذكّره بآية أو حديث… يقولك: “كل واحد حر”… “اللي حصل حصل.”
تنصحه خوفًا عليه… يتهمك إنك معقد، أو بتنظّر، أو بتتدخل في حياته.
وكأن المشكلة مش في المعصية… المشكلة في اللي فكّره بيها!
وهنا الخطر الحقيقي.
لأن الإنسان المذنب اللي لسه بيسمع… لسه فيه أمل يرجع. لكن اللي أغلق أذنه وقلبه عن الموعظة… هيهتدي بإيه؟
وده في الحقيقة من أخطر آثار التعايش الطويل مع الفتن. النبي ﷺ قال: “تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أُشربها نُكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نُكتت فيه نكتة بيضاء…”
يعني الفتن مش دايمًا بتيجي مرة واحدة. أحيانًا القلب يتعوّد… ويتدرّج… لحد ما يوصل لمرحلة يرى فيها الباطل طبيعيًا… بل ويدافع عنه. ويرى الحق ثقيلًا… أو متشددًا… أو غير مناسب للعصر!
وده أخطر العقاب… إن الإنسان يفقد قدرته على رؤية الحق أصلًا. فيصبح لا يرى إلا ما يوافق هواه.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾. يعني بدل ما يتواضع للحق… يغضب أكثر… ويزداد تمسكًا بالخطأ فقط لأن أحدًا نصحه.
والعجيب إن حتى بعض العقلاء من غير المسلمين فهموا المعنى ده. لما الرجل المؤمن من آل فرعون قال لقومه عن موسى عليه السلام: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾.
يعني حتى بعقل الدنيا: اسمع… وتفكر… ولا ترفض لمجرد أن الكلام خالف هواك أو مصالحك.
وعايز أقولك نصيحة مهمة جدًا خصوصًا لو أنت لسه شاب… أنت الآن عندك قدرة على السماع، والمناقشة، وتغيير القناعات إذا ظهر لك الحق. لكن كلما كبر الإنسان… أحيانًا يصبح التراجع أصعب.
لأنه يكون عاش عمرًا طويلًا على أفكار معينة… وتربى عليها… ووجد عليها أهله وبيئته… فيتحول الخطأ مع الوقت إلى “هوية” يصعب عليه هدمها.
وده اللي حصل مع أبو طالب عم النبي ﷺ. كان يعلم صدق النبي… ويحبه… ويدافع عنه… لكن في اللحظة الأخيرة قالوا له: “أترغب عن ملة عبد المطلب؟”
فغلب عليه ثقل العادات والتقاليد… وضغط المجتمع الجاهلي… والتعلق بما وجد عليه الآباء… فمات على ذلك.
وعلشان كده… اغتنم قلبك قبل أن يقسو. واغتنم شبابك قبل هرمك.
ولو حد ذكّرك يومًا بكلام مخالف لهواك… ما تستعجلش في الهجوم. اسمع بهدوء… وفكّر… يمكن كلمة واحدة تلامس قلبك فتكون سبب هدايتك.
لأن القلوب لا تهلك دائمًا بسبب الجهل… أحيانًا تهلك لأنها رفضت أن تسمع.
ومن أعظم نعم الله على العبد… إن قلبه لسه يتأثر لما يسمع آية… أو حديث… أو نصيحة صادقة. وإنه لسه يراجع نفسه إذا أخطأ.
لأن القلب اللي يقبل التذكير… لسه حي.
نسأل الله قلوب إذا ذُكّرت انتفعت… وإذا أخطأت رجعت… ولا يجعلنا ممن يستكبرون عن سماع الحق آمين آمين 🤲 .